الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

228

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والخروج إلى الجهاد ، والتكاليف التي كلّفه اللّه بها مثل قيام الليل ، فتعيّن أنّ معنى القصر : ما عليه إلّا البلاغ ، أي دون إلجائكم إلى الإيمان ، فالقصر إضافي فلا ينافي أنّ على الرسول أشياء كثيرة . والإتيان بحرف ( على ) دون ( اللام ) ونحوها مؤذن بأنّ المردود شيء يتوهّم أنّه لازم للرسول من حيث إنّه يدّعي الرسالة عن اللّه تعالى . وقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ عطف على جملة اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . وهي تتميم للتعريض بالوعيد والوعد تذكيرا بأنّه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ظاهرها وباطنها . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي هنا لإفادة تقوّي الحكم وليس لإفادة التخصيص لنبوّ المقام عن ذلك . وذكر ما تُبْدُونَ مقصود منه التعميم والشمول مع ما تَكْتُمُونَ وإلّا فالغرض هو تعليمهم أنّ اللّه يعلم ما يسرّونه أمّا ما يبدونه ، فلا يظنّ أنّ اللّه لا يعلمه . [ 100 ] [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 100 ] قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) لما آذن قوله : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ المائدة : 98 ] وقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ [ المائدة : 99 ] بأنّ الناس فريقان : مطيعون وعصاة ، فريق عاندوا الرسول ولم يمتثلوا ، وهم من بقي من أهل الشرك ومن عاضدهم من المنافقين ، وربما كانوا يظهرون للقبائل أنّهم جمع كثير ، وأنّ مثلهم لا يكون على خطأ ، فأزال اللّه الأوهام التي خامرت نفوسهم فكانت فتنة أو حجّة ضالّة يموّه بها بعض منهم على المهتدين من المسلمين . فالآية تؤذن بأن قد وجدت كثرة من أشياء فاسدة خيف أن تستهوي من كانوا بقلّة من الأشياء الصالحة ، فيحتمل أن تكون تلك الكثرة كثرة عدد في الناس إذ معلوم في متعارف العرب في الجاهلية وفي أول الإسلام الاعتزاز بالكثرة والإعجاب بها . قال الأعشى : ولست بالأكثر منهم حصى * وإنّما العزّة للكاثر وقال السموأل أو عبد الملك الحارثي : تعيّرنا أنّا قليل عديدنا وقد تعجّب العنبري إذ لام قومه فقال :